الشنقيطي

304

أضواء البيان

قال صاحب ( الإنصاف ) : هذا المذهب وعليه الأصحاب . وفي الفروع هو أشهر وأصح في المذهب . وقال المصنف وغيره : هذا ظاهر المذهب وهو من المفردات . وممن قال بهذا القوم ( ابن حزم ) . وذهب جمهور أهل العلم إلى أن النهي للكراهة ، وأنه لو صلى فيها لصحت صلاته . وقد قدمنا كلام أهل الأصول في مثل هذه المسألة . واعلم أن العلماء اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل . فقيل : لأنها خلقت من الشياطين كما تقدم في الحديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم . وهذا هو الصحيح في التعليل ، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين ) وترتيبه كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي ، يدل على أنه هو علته كما تقرر في مبحث مسلك النص ، ومسلك الإيماء ، والتنبيه . وقال جماعة من أهل العلم : معنى كونها ( خلقت من الشياطين ) أنها ربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطع صلاته ، أو أذاه ، أو تشويش خاطره . وقد قدمنا أن كل عات متمرد تسميه العرب شيطاناً . والإبل إذا نفرت فهي عاتية متمردة ، فتسميتها باسم الشياطين مطابق للغة العرب . والعرب تقول : خلق من كذا للمبالغة ، كما يقولون : خلق هذا من الكرم ، ومنه قوله * ( خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) * على أصح التفسيرين . وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها ، وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ . قال الشوكاني ( في نيل الأوطار ) : ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ : ( لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن ، ألا ترون إلى عيونها وهيئاتها إذا نفرت ) . وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها ، أو يستمر فيها مع شغل خاطره اه كلام الشوكاني . ومن هذا التعليل المنصوص فهم العلماء القائلون بعدم بطلانها أنه لما كانت علة النهي ما ذكر دل ذلك على أن الصلاة إذا فعلها تامة أنها غير باطلة .